سنّة كونية نعيشها كل يوم… لكننا نادراً ما نتوقف أمامها: أن الله جعل الحياة قائمة على “التداول”… فلا شيء يبقى في يد أحد إلى الأبد. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ تأمل كلمة: نداولها. أي أن الأيام تتحرك… والأحوال تنتقل… والقوة لا تسكن بيتاً واحداً إلى الأبد.
من كان محتاجاً بالأمس= قد يصبح غنياً غداً. ومن كان صاحب قرار= قد يصبح محتاجاً لمن كان لا يراه. ومن كان مشهوراً يملأ المجالس= قد يأتي جيل لا يعرف اسمه. ومن كان ضعيفاً لا يُلتفت إليه قد تدور الأيام حتى يصبح هو صاحب القوة. ليس صدفة… إنها سنّة التداول.
ولذلك من أوهام الإنسان أن يظن أن حالته الحالية هي هويته الدائمة. الغني يظن أن المال سيبقى. القوي يظن أن القوة ستبقى. الجميل يظن أن الجمال سيبقى. وصاحب المنصب قد يبدأ ـ دون أن يشعر ـ بمعاملة الناس وكأنه سيبقى فوقهم دائماً. ثم تأتي الأيام لتعلِّم الجميع الحقيقة نفسها: لا أحد يملك مكانه إلى الأبد.
ولهذا قال الله: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ حتى الألم متداول. اليوم أنت الذي تُواسي… وغداً قد تحتاج من يواسيك. اليوم أنت الذي تستطيع المساعدة… وغداً قد تقف على باب إنسان كنت تستطيع مساعدته بالأمس. وهنا نفهم لماذا الأخلاق ليست رفاهية… لأنك لا تعرف بأي وجه ستعيدك الحياة إلى الشخص نفسه.
ومن هنا نفهم أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لا تكسر إنساناً لأنك قادر. لا تحتقر ضعيفاً لأنك أقوى منه اليوم. لا تتكبر على محتاج لأن يدك هي العليا الآن. ولا تشمت بمن سقط… لأنك تعيش داخل كون من قوانينه أن الأحوال تتبدل.
حتى الحزن لا يبقى. وحتى الفرح لا يبقى. وحتى المرحلة التي أقنعتك أنها لن تنتهي… ستنتهي ستنتهي. قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فالله يرفع ويخفض، ويعطي ويمنع، ويفتح ويغلق، وتتبدل أقدار البشر أمام أعينهم.
لهذا الإنسان العاقل لا يغتر عندما ترتفع به الأيام، ولا يحتقر نفسه عندما تنخفض به. لأنه يعرف السر: المكان الذي أنت فيه اليوم… مرحلة فقط، “وليس تعريفاً لك”.
من أعمق السنن الكونية: أن الدنيا لا تعطي أحداً عهداً بالبقاء. فإذا أعطتك… “تواضع”. وإذا أخذت منك… لا تظن أنها النهاية. وإذا رفعتك… ارحم من تحتك. وإذا رأيت إنساناً سقط… لا تشمت. فربما تدور الأيام… ويصبح هو في مكانك، وتصبح أنت في مكان.
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ آية واحدة… لو فهمها الإنسان حقاً، لغيّرت طريقة تعامله مع الدنيا كله.